ولا بد أولاً من الرجوع إلى المصادر الشرعية لنرى النصوص التي تؤكد على ضرورة التعليم وتحصيل العلم، ونبدأ بالقرآن الكريم أولاً:
وورد في السنة الشريفة الكثير مما يؤكد على ضرورة التعليم، ومن النصوص الواضحة الدلالة على ذلك نختار ما يلي منها :
وأما الآداب التي ينبغي ان يتحلى بها طالب العلم فنورد منها ما يلي:
أولاً: التوقير والاحترام:
ولا شك أن العالم الحامل للعلم والذي يريد تعليمه الناس يفرض على المتعلمين الآخذين عنه توقيره واحترامه ورفع شأنه لأنه يعطيهم من نفسه وروحه، ويبذل لهم عصارة ما تعلّمه في حياته حتى صار أهلا للتعليم، ومن هنا فإن احترامه هو احترام للعلم الذي يحمله كما أنه احترام لشخصه لأن المفروض أنه قد أدّب نفسه وهذّبها بالعلم الذي تعلّمه فصار أهلاً للتقدير والتعظيم، وقد ورد في الروايات الكثير مما يشيرإلى احترام المعلم وتقديره كما في النصوص التالية:
ثانياً: الإستماع بشكل حسن:
لأن الاستماع الجيد من المتعلم والملتفت باهتمام إلى ما يلقيه عليه معلمه يجعل العلم قابلاً للحفظ والبقاء، بل إن حسن الاستماع هو من ضرورات تحصيل العلم، لأن المتعلم بدون ذلك سيكون من الذين يقضون الوقت حال التعلم لاهين غافلين ولن يستفيدوا من العلم شيئاً لأنهم أضاعوه بلغوهم وعدم استماعهم أو عدم اهتمامهم بما يلقيه المعلم عليهم، وصفة الغفلة من الاستماع ليست من شيم الناس الذين يسعون إلى تحصيل العلم النافع والمفيد، بل هي من صفات اللاعبين المستهترين الذين لا يحترمون العلم ولا يحترمون أنفسهم أيضاً ولا معلميهم كذلك، وهم بالتالي الذين يخسرون، بينما من يحسن الاستماع والإنصات ولا يضيّع الفرصة على نفسه فهو الذي يحقق الفوائد المرجوة من العلم الذي يتلقاه، وقد ورد العديد من النصوص التي تؤكد على ضرورة أن يكون المتعلم حسن الإستماع إلى من يعلّمه، منها ما يلي:
ومن مفردات حسن الاستماع أن لا يقطع المتعلم على المعلم حديثه الذي يلقيه على طلابه حتى ينتهي المعلم، فإذا كان لدى المتعلم ما يسأل أو يستفسر عنه فعليه الصبر حتى يفرغ المعلم من المطلب أو الدرس الذي يعطيه ثم يسأل ما يريد للاستيضاح والمعرفة، وذلك لأن قطع كلام المعلم أثناء بيان المطالب العلمية قد يؤدي إلى التشتت وإلى ضياع الفوائد على المتعلمين الذين يكونون في حال الإنصات والإستماع، كما أن تكرار المقاطعة يعطّل الفوائد من الدروس، لأنه يؤدي إلى حالة من الخلل وعدم التركيز عند كل من المعلم والمتعلم على حد سواء، ولذا ورد في العديد من النصوص المنع عن المقاطعة كما في الحديث رقم (2) الذي ذكرناه.
ثالثاً: تفرّغ المتعلم للعلم:
لأن العلم كما نعرف إذا أعطيناه كل شيء أعطانا بعضاً من منافعه، فكيف إذا أعطينا البعض القليل من وقتنا، فإن العلم حينئذ لن ينفعنا بشيء، لأن ما سوف نحصل عليه لن يكون كافياً ليعيننا في أمور ديننا ودنيانا، ولذا من الآداب المهمة للمتعلم أن يتفرغ للعلم وللنهل من معينه ولا يبدد أوقاته في القضايا الهامشية التي لا قيمة لها في مقابلة المعلم، لأن أي وقت يضيع سوف يكون على حساب العلم وتحصيله واكتسابه، ولذا قيل في المثل (من طلب العلى سهر الليالي)، وهذا ما تؤكده نظرة سريعة في سيرة العلماء العظماء ـ سواء من علماء الدين أو أي علم آخر ـ فإن ما وصل إليه هؤلاء لم يكن مجرد صدفة، بل لأنهم اهتموا بالعلم ومنحوه أكبر جزء من وقتهم وحياتهم وجهدهم حتى وصلوا إلى أن صاروا أعلاماً ونجوماً في العلوم التي برعوا بها، وقد وردت الأحاديث الكثيرة التي تؤكد على ضرورة التفرغ للعلم وعدم الانشغال معه بما يعطل الاستفادة منه، منها:
رابعاً: الصبر على التعلم:
الإنسان الذي يتعلم ليصل إلى مبتغاه وهدفه عليه أن يكون صبوراً ومتأنياً في طلب العلم، وأن لا يكون عجولاً، لأن العلم يحتاج إلى الكثير من الجهد والتعب والعناء، وليس من الأمور السهلة التي يمكن تحصيلها بالسرعة التي قد يتوهمها البعض، ولذا على كل من طلب العلم أن يتحمل المعاناة لتحصيل العلم، لأنه بدون ذلك لن يستطيع الاستمرار، والعجلة هنا غير مفيدة لأنها لا تؤدي إلى تركيز العلم وتجذره في القلب والعقل، ولأنه سيكون من قبيل الشجرة المزورعة في الأرض غير المناسبة التي سرعان ما تقتلعها الرياح إذا هبت عليها وعصفت بها، ولذا يقول أمير المؤمنين عليه السلام في إحدى خطبه: (ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع في غير أرضه ).
وقد ورد العديد من الأحاديث الدالة على ضرورة الصبر على التعلم وعدم الاستعجال، منها:
ومن مفردات الصبر على العلم أن لا يتكبر المتعلم على أي معلم يأخذ العلم منه، لأن المتعلم هو كالصياد والباحث عن الطريدة، يبحث عنها في كل مكان حيث يجدها، ولذا نجد في سيرة العلماء الكبار أنهم كانوا يجوبون البلاد ويتنقلون بينها، وأحياناُ كانوا يأخذون العلم الذي لا يعرفونه من علماء أدنى منهم مرتبة وشأناً ومقاماً لأنهم وجدوا العلم الذي يريدونه عندهم فلم يتكبروا عليهم أو يتعالوا، بل تعاملوا معهم معاملة التلميذ مع أستاذه عبر علاقة الاحترام والتقدير كما أمر الإسلام وكما هي صفات المتعلمين الحقيقيين، ولذا ورد في الأحاديث ما يؤكد على ذلك، منها ما يلي:
وأما النتائج المترتبة على العلم سواء عند المعلم أو المتعلم فهي التالية:
هذه طبعاً بعض النتائج المترتبة على العلم وليست كلها، فالبحث عنها جميعاً يحتاج إلى المزيد من البحث والتبويب، وقد اقتصرنا على بعض أهم فوائد العلم النافع الذي يراد الاستفادة منه في الدنيا، والوصول من خلاله إلى الآخرة.
تذنيب مفيد ومهم:
كما قلنا في العدد الماضي فالعلم ليس مقتصراً على علوم الآخرة بل يشمل علوم الدنيا أيضاً وذلك عندما يتعلمها الإنسان تقرباً اليه تعالى وطاعة له، لأن العلوم كلها من عند الله وهو الذي علًم الإنسان كما قال سبحانه ما لم يعلم، لأن الإنسان يولد وليس عنده إلا الاستعداد الفطري ثم العقلي لتلقي العلوم واستيعابها وفهمها ثم الاستفادة منها مما هو نافع له ولمجتمعه وأمته في الدنيا، ولما هو منقذ لهم في الآخرة أيضاً، ولذا ورد في الأحاديث الكثيرة (العلم اكثر من أن يحصى) كما عن رسول الله صلى الله عليه وآله، أو (العلوم أربعة: الفقه للأديان، والطب للأبدان، والنحو للسان، والنجوم لمعرفة الزمان) كما عن امير المؤمنين عليه السلام، أو (العلم علمان: علم الأديان، وعلم الأبدان) وهو عن رسول الله صلى الله عليه وآله. وللاستيناس أكثر بهذه النقطة المهمة لابأس بذكر بعض الإستفتاءات الموجهة إلى آية الله العظمى الإمام الخامنئي (دام ظله) مع أجوبتها، ومنها ما يلي:
س 234: ما هو الطريق الصحيح الذي ينبغي للأخصائيين الملتزمين اتخاذه حول تعليم الآخرين في الجمهورية الإسلامية؟ ومن هم الذين يستحقون الحصول على المعلومات والعلوم التقنية الحساسة في الدوائر؟
الجواب: لا مانع من تعلّم أي شخص لأي علم إذا كان الفرض عقلائي مشروع ولم يكن له فيه خوف الفساد ولا الإفساد، إلا إذا كانت الدولة الإسلامية قد وضعت ضوابط ومقررات خاصة حول ما يجب تعليمه وتعلّمه من العلوم والمعلومات.
س 241: أي التخصصات العلمية أصلح للإسلام والمسلمين هذه الأيام؟
الجواب: كل التخصصات المفيدة والتي يحتاجها المسلمون مما ينبغي أن يهتم بها العلماء والأساتذة والطلاب الجامعيون ليستغنوا بذلك عن الأجانب، لا سيما عن المعادين للإسلام والمسلمين.
س 244: طالب جامعي يدرس منذ أربع سنوات في كلية الطب، ولديه رغبة شديدة في دراسة العلوم الدينية، فهل يجب عليه الاستمرار في دراسة الطب أو يجوز له الانصراف إلى دراسة العلوم الدينية؟
الجواب: للطالب الحرية في اختيار الفرع الدراسي، ولكن هناك مسألة ينبغي الالتفات إليها، وهي أن دراسة العلوم الدينية إذا كانت ذات أهمية من أجل ما يتوقع منها من القدرة على تقديم الخدمة للمجتمع الإٍسلامي، فدراسة الطب بهدف التأهيل لتقديم الخدمات الصحية للأمة الإٍسلامية وعلاج المرضى وإنقاذ أرواحهم لها أهمية كبرى أيضاً.